هدية المجوس

قصة جميلة أوردها الكاتب الأمريكي وليم سيدني بورتر الذي كان يكتب تحت اسمٍ أدبي " أو. هنري "
أطلق على القصة عنوان " هدية المجوس "
ديلا وجيم زوجان فقيران لكن الحب كان يملأ شغاف قلبيهما ،
في أحد الأيام ، كان مع ديلا دولار واحد وسبعة وثمانون سنتًا، عدّتها مرةً ، ثم أعادت عدّها، وكأنّ إعادة العدّ قد تقنع النقود بأن تنمو وتتكاثر!  لكنها بقيت كما هي 1.87 دولار.
كانت تريد أن تشتري لزوجها جيم هدية تليق به لتقدّمها له في عيد الميلاد يوم الغد من وقتهم ذلك ،
شيئًا جميلًا وثمينًا يقول له دون كلمات:
" أنت عزيزٌ عليّ ، وتملّكتَ حجيرات فؤادي ، لكن ماذا تستطيع أن تفعل بدولار وسبعة وثمانين سنتًا؟
كان الزوجان فقيرين، يعيشان في شقة متواضعة، ويحسبان نفقاتهما بحذر. ومع ذلك، كان في بيتهما كنزان لا علاقة لهما بحساب البنك .
كان كنز جيم ساعةً ذهبيةً ورثها عن أبيه، وكان أبوه قد ورثها عن جدّهِ ، لم تكن مجرد ساعة، بل قطعةً صغيرةً من تاريخ العائلة يحملها في جيبه.

أما كنز ديلا فكان شعرها.
شعرٌ طويلٌ ، كثيفٌ، جميلٌ ، ينساب حتى ما دون ركبتيها. وحين تفرِده، يكاد يغطيها كعباءة سوداء تبهر الناظرين .
وقفت ديلا أمام المرآة ، نظرت إلى شعرها طويلًا ، ثم اتخذت قرارً !
فما كان ذلك القرار الذي بدا لها للوهلة الأولى بأنه صعبٌ وربما مستحيل ؟
خرجت مسرعة حتى وجدت متجرًا يشتري الشعر الطبيعي.
قالت لصاحبته:
هل تشترين شعري؟
فحصته المرأة وقالت:
عشرون دولارًا.
وافقت ديلا، وفي دقائق سقط ذلك الشعر الذي كانت تعتز به وتعتبره ثروة شخصية لا يُقدّر بثمن ، ولكن " ما حيلة المضطرّ إلا ركوبها "؟ حصلت ديلا  في المقابل على المال، ولم تكن حزينة طويلًا. انطلقت تبحث عن هديةٍ لجيم.
وبعد بحث، وجدتها، سلسلةً أنيقةً من البلاتين لساعة جيبه الذهبية .
كانت بسيطةً راقيةً بلا زخارف مُتكّلفة. شعرت فورًا أنها الهدية المناسبة والتي سيفرح لها جيم ،  فدفعت ثمنها وعادت إلى المنزل .

بدأ القلق بعد أن نظرت إلى شعرها القصير في المرآة وحاولت ترتيبه. يا ترى ماذا سيقول جيم؟!

عندما عاد جيم في المساء، فتح الباب ودخل، ثم توقف.
نظر إلى ديلا، وظل ينظر إليها ويتأملها بصمت.
لم يكن غاضبًا ولا عاتباً ،  ولكن أخذته الدهشة والحيرة !
كانت على وجهه نظرة لم تستطع ديلا تفسيرها.
اقتربت منه وقالت بسرعة:
لا تنظر إليّ هكذا يا جيم. قصصت شعري وبعته لأنني لم أستطع أن أدع عيد الميلاد يمرّ دون أن أشتري لك هدية.
سينمو شعري من جديد. بقي جيم لحظة صامتًا.ثم اقترب منها واحتضنها.
وأخرج من جيبه طردًا صغيرًا ووضعه أمامها، فتحته ديلا ، ثم شهقت.
كانت الهدية مجموعة جميلة من الأمشاط الفاخرة التي طالما وقفت أمام واجهة أحد المتاجر تتأملها وتحلم بها.
أمشاط صُنعت خصيصًا لتزيّن شعرها الطويل.
ذلك الشعر الذي باعته قبل سويعات .
أمسكت ديلا بالأمشاط، واغرورقت عيناها، ثم ابتسمت وقالت:
شعري ينمو بسرعة يا جيم.
وفجأة تذكرت هديتها.
أحضرت السلسلة البلاتينية ومدتها إليه بفرح .
انظر! بحثت عنها في كل مكان. أعطني ساعتك لأرى كيف تبدو معها ، ولكن جيم لم يخرج الساعة.
ابتسم، وجلس وقال لها ما معناه:
دعينا نضع هدايانا جانبًا قليلًا. إنهما أجمل من أن نستعملهما الآن.
ثم أخبرها بالحقيقة: لقد بعتُ ساعتي الذهبية...
لكي أشتري لكِ الأمشاط.
وهنا تنتهي الحكاية تقريبًا !

ديلا باعت شعرها لتشتري سلسلةً لساعة جيم ، وجيم باع ساعته ليشتري أمشاطًا لشعر ديلا .
وهكذا أصبح كل واحد منهما يحمل هدية لا يستطيع الآخر استخدامها .
ملخّص هذه الحكاية ومفادها ، هو الثمن الذي يكون الإنسان مستعدًا لدفعه من أجل من يحب.
ولهذا سماها «هدية المجوس». فالمجوس في الرواية الإنجيلية جاءوا بالهدايا للمسيح، ويصفهم الكاتب بالحكماء
فقد وردت قصتهم في إنجيل متّى الإصحاح الثاني ، حيث أرسل هيرودس المجوس عند ولادة السيد المسيح ،
​" وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمّهِ فخرّوا وسجدوا له ،  ثُمَّ فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ، ذَهَباً وَبُخُوراً وَمُرّاً ، ثُمَّ أُوحِيَ إليهم فِي حُلمٍ أَنْ لاَ يرجعوا  إِلى هِيرودس، فَانْصَرَفُوا في طريقٍ أخرى إِلى كُورَتِهِمْ "

ثم يقول، في مفارقته الجميلة، إن هذين الزوجين الفقيرين اللذين ضحّى كل منهما بأغلى ما يملك من أجل الآخر هما، بمعنى أعمق، المجوس الحقيقيون .

فالعبقرية في النهاية أن كليهما خسر شيئًا ماديًا، لكن القارئ يكتشف أنهما في الحقيقة خرجا من القصة أغنى مما دخلاها.
فالساعة كانت ثمينة، والشعر كان جميلًا، والسلسلة والأمشاط كانتا هديتين رائعتين .
لكن الهدية الحقيقية لم تكن أيًا منها، الهدية الحقيقية كانت التضحية.
لذلك على كل من خامرته شحناء من أخيهِ أو صديقهِ أو زوجٍ وزوجتهٍ أن يقدّم ما يضحّي به من هديةٍ أو أُعطِيةٍ أو تنازلٍ أو تغافلٍ كي تدوم المحبة وتقوى الصحبة .


قال الشاعر مسكين الدارمي :
" أخاك أخاك إنّ من لا أخاً له ... كسائرٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاحِ
وإنّ ابن عمّ المرءِ فاعلم جناحهُ ... وهل يطير البازي بغيرِ جناحِ

وقال الشافعي :
" سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها ... صديقٌ صدوقٌ صادق الوعدِ منصِفا "

وعلى خلاف ما أقدم على فعله المجوس في سجودهم لعيسى عليه السلام عند ولادته تعظيماً له وتشريفاً لهم ، فإن ذلك حرامٌ في شريعة الإسلام ،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ، والذي نفس محمدٍ بيدهِ ، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتبٍ لم تمنعه "

وقال رسول الله في الحديث الآخر " لا يفرِك مؤمنٌ مؤمنة، إن كرِه منها خلقاً رضي منها آخر "


كتبتها في الطائرة في رحلة العودة من العمرة 1 أغسطس 2026 

أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
jahra.im.meetings@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظام الطيّبات ما له وما عليه

حِراسة المصداقية الطبية بين إريك روبن وبين ضياء العوضي

أيهما أجدى الفول والطعمية أو القواعد الأمريكية؟