الثالوث المظلم
- خلق الله الإنسان روحاً وجسداً وأودع فيه من العقل والفهم والعاطفة والمشاعر ما لا يعلم دقيقها وجليلها ، وظاهرها وباطنها إلا من فطرها .
أما الجسد فهو المستودع لما يزيد عن ثمانٍ وثلاثين ألف مليار خلية تعمل فيما بينها بتناسق عجيب ، بل وتصاحب في مسيرتها الحياتية ما يربو على أربعين ألف مليار خلية بكتيرية نافعة في هذا الجسد المزدحم بالهرمونات والمستقبلات البروتينية والإشارات العصبية ، في دقّة متناهية لا يعلم لطيف تفاعلاتها إلا باريها .
" لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "
فسبحان ربي ما أعظمك ! وما أجلّك وأقدرك !
- أما الجانب الآخر من مرآة الجسد فهو النفس البشرية أو الشخصية ، التي عرّفها العالم الألماني البريطاني هانز آيزنك بأنها "تنظيم ثابت نسبيًا للطباع والذكاء والبنية الجسدية، يحدد أسلوب الفرد المميز في التكيف مع البيئة "
أمّا عالم النفس الأمريكي غوردون ألبورت فقد عرّف " الشخصية " بأنها:
"التنظيم الديناميكي داخل الفرد لتلك الأنظمة النفسية والجسدية التي تحدد تكيفه الفريد مع بيئته "
فالشخصية التي يملكها الإنسان هي بنسيةٍ كبيرة نتاج لجيناته الوراثية وللتغيرات الناتجة عن البيئة المحيطة به للتكيّف معها .
- في الدراسة الشهيرة التي عملت على التوائم في جامعة مينيسوتا من قِبل عالم النفس البروفيسور توماس بوشار ، حيث تابع أكثر من 100 حالة من التوائم المنفصلة منذ عام 1979 إلى عام 2000 فيما يقارب 21 سنة ، لفت انتباهي الأخوان جيم ( جيم لويس ، و جيم سبرينغر ) فقد انفصلا عن عمر شهر تقريباً وكلاهما عاش في مدينة أوهايو على بعد أكثر من أربعين ميل ولم يلتقيا أبداً إلا على عمر 39 سنة ، الأمر العجيب كلاهما تزوجا امرأتين تحملان نفس الاسم( اسم ليندا ) ، وبعد طلاقهما ، تزوجا امرأتين أخريين تحملان نفس الاسم ( اسم بِيتي ) ، ولما جاءهما مولوداً ذكراً سمّياه نفس الاسم ( اسم آلان ) ، وكلاهما امتلك كلباً وسمّياه نفس الاسم ( اسم توي ) ، وكلاهما عانا من صداع الشقيقة على عمر 18 سنة ، وكلاهما دخّنا نفس اسم السجائر ، فهذا من التوافق العجيب الغريب ، بل كانت صفاتهما واختياراتهما تقريباً متطابقتان في كثير من الأمور .
هذا التطابق التام بين الصورة الجسدية و(الروح) أو الشخصية نادر جداً حدوثه " الأرواح جنودٌ مجنّدة ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكرَ منها اختلف "
- ومن حالات التوائم المنفصلة التي تم دراستها في نفس الدراسة ( الأخوان أوسكار و جاك ) ، فقد ولِدا في ترينيداد لأب يهودي وأم مسيحية كاثوليكية ، وانفصلا لمدةٍ تجاوزت خمسين سنة .
فالأول أصبح يهودياً مع أبيه ، والآخر أصبح كاثوليكياً مع أمه .
بعد التقائهما وُجد أنهما يشتركان في نبرة الصوت وبعض تعابير الوجه ، والميل إلى النظام والترتيب، وببعض العادات اليومية المتشابهة وأسلوب التعامل مع الضغوط .
بينما يختلفان في الثقافة واللغة،والتربية والانتماء السياسي .
خلصت تلك الدراسة العظيمة إلى ما يلي :
الجينات مسؤولة عن حوالي 70% من الاختلافات في الذكاء بين البشر، بينما تعود الـ 30% المتبقية للعوامل البيئية.
، العوامل الوراثية تؤثر بنسبة تقارب 50 بالمئة على أمور منها القلق، والقدرات الاجتماعية، والتفاؤل، والفضول المعرفي.
وأظهرت دراسات التوائم المنفصلة تشابهاً مذهلاً في المؤشرات الحيوية كضغط الدم ونبضات القلب وحتى في الاهتمامات المهنية والميول الدينية والموسيقية
- على امتداد القرن العشرين، انشغل علماء النفس بدراسة الفضائل الإنسانية؛ فبحثوا في التعاطف، والإيثار، والضمير، والذكاء العاطفي، والمرونة النفسية، والدوافع التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على التعاون والبناء. لكن هناك سؤالٌ آخر ظل يفرض نفسه بإلحاح، لماذا ينجح بعض الأشخاص في الأمور القيادية رغم أنهم يتركون خلفهم بيئة مثقلة بالخوف والصراعات وانعدام الثقة؟
لم يكن السؤال جديدًا، لكن أدوات الإجابة كانت تتطور. فقد لاحظ الباحثون أن هناك أفرادًا يحققون نجاحًا مهنيًا ظاهرًا، ويتقنون صناعة الصورة، ويتحدثون بثقة، ويملكون مهارات اجتماعية لافتة، ومع ذلك فإن المؤسسات التي يعملون فيها تعاني بمرور الوقت من نزيفٍ صامت ، كفاءات تستقيل، وعلاقات تتصدع، وثقة تتآكل دون أن يعرف أحد السبب الحقيقي.
ومن هنا بدأ الاهتمام بما سُمِّي بالثالوث المظلم ( The dark triad )
ففي عام 2002 نشر عالما النفس الكنديان د. كيفن وليامز و د.ديلروي باولهوز ، دراسة أصبحت من أكثر الدراسات تأثيرًا في علم النفس بما يخص الشخصية، بعنوان:
" ثلاثي الشخصية المظلم ; النرجسية ، الميكيافيلية ، و السايكوباتية " ، ونُشرت في مجلة Journal of Research in " Personality " ، وهي مجلة علمية محكمة تُعد من المراجع المرموقة في مجال علم النفس ، ولم يكن هدف الباحثين اختراع اضطرابات نفسية جديدة، ولا إضافة تشخيصات إلى الدليل التشخيصي للأمراض النفسية (DSM)، وإنما كان هدفهما ملاحظة أن ثلاث سمات شخصية، كانت تُدرس منفصلة، تتكرر كثيرًا لدى بعض الأشخاص في بيئات العمل وتتشابه في أثرها الاجتماعي رغم اختلاف دوافعها.
وهذه السمات هي:
• النرجسية (Narcissism):
حيث يرى الإنسان نفسه أكبر من حجمه الحقيقي، ويبحث باستمرار عن الإعجاب والتقدير.
وأسمّيها أنا " الشخصية الفرعونية " " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "
• الميكيافيلية (Machiavellianism):
حيث تصبح العلاقات الإنسانية أدوات، ويصبح الناس وسائل لتحقيق الغايات.
• الاعتلال النفسي أو السايكوباتية (Psychopathy):
حيث يضعف التعاطف، ويقل الشعور بالذنب، ويصبح اتخاذ القرارات المؤذية أسهل من غيره.
لم يقصد الباحثان أن من يحمل إحدى هذه السمات مريض نفسي، أو أنه فاقد للأهلية الأخلاقية، فالشخصية الإنسانية ليست صندوقًا مغلقًا، بل طيف واسع تتفاوت فيه الصفات بين البشر.
ولهذا فإن الثالوث المظلم ليس تشخيصاً طبياً بل هو نموذج بحثي يساعد على فهم أنماط معينة من السلوك، خصوصًا في بيئات العمل والقيادة والعلاقات الاجتماعية.
لقي هذا النموذج اهتمامًا واسعًا خلال العقدين الماضيين، واستندت إليه مئات الدراسات في علم النفس التنظيمي، والإدارة، والسلوك القيادي، واختيار الموظفين، وأخلاقيات العمل.
- مع مرور السنوات، بدأ بعض الباحثين يلاحظون أن هناك سلوكًا لا تفسره السمات الثلاث وحدها...
فقد يوجد إنسان لا يبحث عن الإعجاب، ولا يخطط بدهاء، ولا يفتقد الضمير تمامًا، لكنه يجد متعة حقيقية في رؤية الآخرين يتألمون أو يُهانون.
هنا ظهر مفهوم " السادية اليومية "
وفي عام 2013 اقترح الباحثون، ومن أبرزهم د.إريك باكلز إضافة السادية اليومية إلى الثالوث المظلم، ليصبح ما يُعرف اليوم عند عدد متزايد من الباحثين " الرباعي المظلم "
ويقصد بالسادية اليومية الميل إلى الاستمتاع النفسي بإذلال الآخرين أو إيقاع الأذى بهم، حتى عندما لا توجد منفعة واضحة من ذلك.
- على سبيل المثال لا الحصر ليسهل علينا فهم طريقة تفكير هذه الشخصيات ،
ما هو السلوك المتوقع من ذلك الثالوث عند قيادة السيارة ؟
أولاً: الشخصية النرجسية (Narcissism)
غالبًا ما ينظر النرجسي إلى نفسه على أنه السائق الأفضل، ويحب أن يكون محط الأنظار ، وأن يكون الأسرع والأسبق في الشارع ، ينزعج إذا تجاوزه سائق آخر، وقد يحاول استعادة الصدارة ، ويميل إلى القيادة الاستعراضية لإظهار المهارة، ولا يتقبل بسهولة من ينبهه إلى خطئه، وقد يغضب بسرعة إذا شعر أن كرامته أو مكانته تعرضت للإهانة.
ثانياً: الشخصية السيكوباتية (Psychopathy)
هذه السمة ترتبط أكثر بالاندفاع وضعف الإحساس بعواقب الأفعال، لذلك لا بأس عنده من القيام بالسرعة المفرطة، وعمل التجاوزات الخطرة، وتجاهل قوانين المرور إذا رأى أنها تعيقه، مع انخفاض واضح في التعاطف مع مستخدمي الطريق، والاستجابة العدوانية عند الاستفزاز.
ثالثاً: الشخصية الميكيافيلية (Machiavellianism)
الميكيافيلي أقل اندفاعًا من السيكوباتي، لكنه أكثر حسابًا ومراوغة.
لذلك عند قيادته للسيارة تجده يستغل الثغرات في النظام المروري إذا ظن أنه لن يُكتشف، وقد يلتزم بالقانون فقط عندما يخشى العقوبة، وربما استخدم أساليب ملتوية للحصول على أفضلية في الطريق، ويتعامل مع القيادة بمنطق "المصلحة الشخصية" أكثر من التعاون مع الآخرين.
- في المحصّلة :
السيكوباتية هي أكثر سمات الثالوث المظلم ارتباطًا بالحوادث والقيادة العدوانية، تليها النرجسية، بينما ترتبط الميكيافيلية أكثر بالسلوك الانتهازي والمخالفات المحسوبة.
فكأن الطريق يتحول إلى مسرح صغير تظهر فيه سمات الشخصية: فالنرجسي يريد الإعجاب، والسيكوباتي يبحث عن الإثارة، والميكيافيلي يبحث عن المصلحة .
- من المهم أن ندرك أن هذه المفاهيم لا تمنحنا الحق في إصدار الأحكام على الناس، ولا في إلصاق الصفات بهم لمجرد موقف أو خلاف عابر، فالإنسان أعقد من أن يُختزل في عنوان، أو يُقيّد في إطار ، ولهذا فإن القائد الحكيم في بيئة عمله لا ينشغل بتصنيف الأشخاص، بقدر ما ينشغل بتصميم بيئة عمل صحية تجعل السلوك المؤذي غير مجزٍ، والسلوك النبيل هو الطريق الأقصر إلى النجاح ، وهذا مربط الفرس والمقصد من هذه الكلمات المنثورة كي يستفيد منها أصحاب المؤسسات والعمل والقادة في مجال أعمالهم وإداراتهم .
- إن المؤسسات العظيمة لا تقوم على حسن النيات وحده، وإنما على أنظمة عادلة، تُكافئ الفضيلة والأداء المميز ، وتُقيّد النفوذ بقوانين إدارية واضحة المعالم ، وتمنع أي شخصية، مهما كانت براعتها ، من أن تجعل المؤسسة رهينةً لمزاجها حتى لو كان الشخص إدارياً بمنزلة بيل غيتس أو إيلون ماسك .
- على القيادي الناجح في مجال عمله معرفة هذه الشخصيات وتمييزها لوضع حدود لها والاستفادة منها في بيئة العمل ليصل إلى أعلى درجات الانجاز الوظيفي وحفظ حقوق العاملين وتكريم المنجزين والمتفوقين دون بخس لحقوقهم إذا كان من يرأسهم ويقودهم يقع ضمن ذلك الثالوث المظلم أو عنده بعض من تلك الصفات أو السمات الشخصية غير السوية .
- السؤال الذي يطرح نفسه ماذا لو اجتمع الثلاثة في شخص واحد" لأن أخطر الشخصيات في المؤسسات ليست النرجسية وحدها، ولا الميكيافيلية وحدها، ولا السادية وحدها، وإنما ذلك الشخص الذي يجمع بينها بنسب متفاوتة؛ فيعشق المجد، ويُتقن التلاعب، ولا يتردد في إيقاع الألم إذا كان ذلك يخدم طموحه ، وهنا يصبح الضرر مضاعفًا، والنزف الإداري والوظيفي أعمق وفي النهاية قد يؤدي ذلك أنهيار المؤسسة أو الشركة أو الإدارة وهلمّ جرّا .
- "إن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين نجحوا في تغيير طبائع الناس، فذلك أمر يتجاوز قدرة البشر، وإنما أولئك الذين بنوا مؤسساتٍ تجعل الخير أسهل من الشر، والعدل أقوى من النفوذ، والأنظمة أعلى من الأشخاص .
- في النهاية ، سبحان من خلق هذا الإنسان وصوّره في أحسن صورة وأتقن صنعه وجعل فيه هذا التمازج العجيب بين الجسد والنفس والصفات الشخصية وكرّمه على بقية المخلوقات ، فحريّ بهذا الإنسان أن يكون عبداً منقاداً لله العظيم ، سهلاً ليّناً هيّناً مع عباد الله ، محترماً للقانون في سبيل المصلحة العامة ، مدركاً للغاية التي خُلق من أجلها ويصلح الأرض وما عليها " اللهم اهدِنا واهدِ بنا وأصلحنا وأصلح بنا وارحمنا وارحم بنا
" قل هل مِن شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ، أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يُتّبع أمّن لا يهِدّي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون ؟ "
أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
jahra.im.meetings@gmail.com
أتفق مع ما تفضلتم به، ففهم طبيعة الشخصية والتمييز بين السمات السلوكية يساعد القادة على بناء بيئات عمل أكثر عدلاً واستقرارًا. والأهم كما ذكرتم، أن يكون التركيز على بناء أنظمة ومؤسسات تحدّ من السلوك المؤذي وتكافئ النزاهة والإنجاز، بدل الانشغال بتصنيف الأشخاص. طرح ثري ومفيد،
ردحذفتحياتي
شكراً د.أسامة على الإضافة 💐
ردحذف