شذرات على رصيف اللغة
أسترِق الوقت في كثيرٍ من الأحيان لأغوص في شرايين الكتب وأوردة لغة العرب فتتجمع في طريقي كلماتٌ تطرق أبواب التفكّر فأرجع إلى بساتين القواميس لأنظر معانيها ،وأستمتع في سماء المعرفة كطائر الشاهين يتحيّن الفرائس وهو في كبد السماء فينقض عليها حتى كأنها ما كانت ، فيهشّم كبرياءها ويعبث ببهاءِ غموضها !
كان نصيب هذا الأسبوع الأخير من شهر حزيران لعامِ ستةٍ وعشرين بعد الألفين ما يلي :
1- " الرّستاق " ؟
هل سمعت عن رستاق بغداد ، ورستاق نيسابور ؟
وهل سمعت عن رستاق المطلاع والجهراء ؟ إنها العبدلي يا صديقي .
إني ذاهبٌ إلى الرستاق أي الرّيف أو القرى يا رعاك الله .
2- " القداميس " ؟
جمع قدموس وهو ذو الحسب العظيم
يقول عبيد بن الأبرص
" ولنا دارٌ ورِثناها عن الأقدمِ القدموسِ من عمٍ وخالِ"
وأظنّك سمعتَ الفرزدق يقول :
" وَمِنْ عَبدِ شَمسٍ قد تَفرّعتَ في العلى ... ذُرَاها لكَ القُدْموسُ منها العُرَاعِرُ "
أي أنك ترتفع في نسبك العبشمي عالي القدر ، كارتفاع شجر العرعر باسقاً في السماء .
وهل سمعت ؟
ابْنَا نِزَارٍ أَحَلَّانِي بِمَنْزِلَةٍ ... فِي رَأْسِ أَرْعَنَ عَادِي
الْقَدَامِيسِ .
والأرعن هو الجبل شديد الارتفاع صعب الصعود
والعادي نسبةً لقومِ عاد ووجه الشبه يضرب أطنابه في عمق التاريخ في غاية القِدم والعظمة .
3- " بضاعتي مُزجاة " فما مُزجاة ؟
أي رديئة ، وعطاءٌ مُزجى أي قليل
قال تعالى " وجئتكم ببضاعةٍ مُزجاة فأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا "
و "يُزجي " في اللغة تعني السّوق برفقٍ
قال تعالى " ألم تر أن الله يزجي سحاباً " أي يسوق السحاب برِفقٍ ، وقال عزّ مِن قائلٍ " الله الذي يزجي لكم الفلك في البحر " أي يسيّر السفن تمخر عباب البحر برفقٍ .
فمن يأتي ببضاعةٍ مزجاة ، كمن يبيع الماء في حارة السقّايين .
ألم تسمع بقول الجواهري عندما أتى بشِعرهِ لأهل عدن في اليمن :
" وناقل التّمرِ عن جهلٍ إلى هجرٍ .. كناقلِ الشعرِ موشياً إلى اليمنِ "
فمن ينقل التمر ليبيعه في " هجر " وهي منطقة في الأحساء كثيرة التمور ، يأتي ببضاعةٍ مزجاة ، كمن يأتي ببحور الشعرِ إلى أهل اليمن أهل اللغة والعربية والأدب .
4- " لابُدّ" فما هو البُد ؟
هو الهروب أو المفر
فتقول لابدّ من الصبر ، أي لا مفرّ من الصبر ولا مهرب منه .
ومن ذلك تقول " استبدّ فلانٌ برأيِه أو بأمرِهِ ، أي ابتعد عن آراء الآخرين وكأنه يهرب أو يفِر إلى رأيه بعيداً عنهم
ليت هِنداً أنجزتنا ما تعِد .. وشفت أنفسنا ممّا تجِد
واستبدّت مرّةً واحدةً .. إنّما العاجز من لا يستبِد
5- السّرادق ، فما هو السرادق ؟
تتحطّم الأحلام إذا أحيطت بسرادق الإقصاء والواقع الأليم ، رواية " سرادق الحلم والفجيعة " للكاتب الجزائري عزالدين جلاوجي .
السرادق هو الفسطاط أو الخيمة الكبيرة التي تحيط بمن تحتها من كل اتجاه .
قال الله تعالى " " ناراً أحاط بهم سرادقها " أي تحيط بهم وتحجزهم عما خلفها .
قال شوقي " أقامت على المجدِ القديمِ سُرادقاً .. تفيء إليه المُكرماتُ وتُعقد "
6- زُرافات
بضم حرف الزاي ، وتعني الأفواج أو جماعات متفرّقة حيث وردت في شِعر قريط بن أنيف التميمي فيقول :
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبحْ إبلي
.... بنو اللقيطةِ من ذُهلِ بنِ شيبانا
إذًا لقامَ بنصري معشرٌ خُشُنٌ
.... عندَ الحفيظةِ إنْ ذو لوثةٍ لانا
قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذيْه لهم
.... قاموا إليه زُرافاتٍ ووحدانًا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
.... في النائباتِ على ما قال برهانا
ويقول بدوي الجبل :
تململ الفاتحون الصّيد وازدلفوا
.... إلى السيوف زرافاتٍ ووِحدانا
7- الدوانق :
الدوانق جمع دانقٍ وهو بعضٌ من الدرهم ( المال وما أدراك ما المال ؟)
يقول شاعر النيل :
وطبيبِ قومٍ قد أحلّ لطبّهِ ... ما لا تُحلّ شريعةُ الخلّاقِ
قتل الأجنّةَ في البطونِ وتارةً ... أخذَ الدوانق مِن دمٍ مِهراقِ
وهذا بلاشكٍ استثناءٌ من العموم !
8- شروى :
بمعنى مِثل و نظير
قال الحارث بن حِلِّزة اليشكري :
فإلى ابن ماريّةَ الجوادَ وهل .. شَروى أَبي حَسانَ في الإِنسِ " أي مثل أبي حسان
وأنت أيها القارئ الكريم " شرواك الطّيب "
9- الفِتنة :
وهي الاختبار والامتحان
فتنتُ الفضّة والذهب أي أذبتهما بالنار ليبين جيّدها مِن رديئها .
قال الله تعالى " يوم هم على النارِ يُفتنون "
يقول إبراهيم عبدالقادر المازني :
الله في كلفِ الأحشاءِ مفتونِ .. يهتاجه الشوق مِن بادٍ ومكنونِ
يمزّق الشوق أحشاهُ كما فتكت .. بالغيمِ عجرفةُ الهوجِ المجانينِ
10- " الجفوة والفجوة !!
كم مِن حبيبٍ جفا فجأةً فجفّت فِجاج الوصل ، فجاءت الأقدار بألّا تلاقيا !
يقول ابن زيدون :
أضحى التنائي بديلاً مِن تدانينا ... وناب عن طِيبِ لقيانا تجافينا
إنّ الزمان الذي مازال يضحكنا ... أُنساً بقربِهمُ قد عاد يُبكينا
فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسِنا ... وانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
وهذا حال الدنيا !!
10- أبيت اللعن :
من التّحايا عند العرب قبل الإسلام ، كان يُخاطب بها الملوك وذووا الشأن ، وتعني أرفض من الأفعال ما يستوجب لك المذمّة واللعن .
يقول النابغة الذبياني :
أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني .. وتلك التي أهتمّ منها وأنصبُ
فإن أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتَهُ .. وإن تكُ ذا عُتبى فمِثلك يُعتِبُ .
وهذا علقمة الفحل وهو من سادات سوق عكاظ يقول :
إلى الحارثِ الوهّاب أعملتُ ناقتي .. لِكلكلِها والقُصريينِ وجِيبُ
إليك أبيت اللعنَ كان وجيفُها .. بمشتبِهاتٍ هولُهُنّ مَهيبُ
كلكل الناقة : صدرها ، والقصريان : كتفا الناقة ، ووجيب بمعنى اضطرابٌ سريعٌ وخفقان ، ووجيفها أي سرعة سيرها .
يخبر علقمة الفحل أن سرعة ناقته كانت عبر مفازات وطرق موحشة متشابهة، يملؤها الخوف والرهبة، ومع ذلك لم تمنعه الظروف من قصدِ ممدوحه والوصول له .
ختاماً وفي نفس القصيدة يذكر هذا الشاعر العظيم عن خبرتِهِ الحياتية عن النساء حيث يقول :
فإن تسألوني في النساء فإنني .. بصيرٌ بأدواءِ النساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرءِ أو قلّ مالهُ .. فليس له مِن وُدّهِنّ نصيبُ
يُرِدن ثراء المال حيثُ علِمنهُ .. وشرخُ الشبابِ عندهنّ عجيبُ
لكن يا علقمة يقول المثل الكويتي " أصابعك ما هي سواء "
لعلّني أسلَم 😍😍 .
أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
تعليقات
إرسال تعليق