الكلبة مارجوري وصناعة الحضارة
قصة اكتشاف الإنسولين هي إحدى أعظم الملاحم الطبية في تاريخ البشرية، والتي تحوّل فيها مرض السكري من حكم مؤكد بالموت إلى حالة يمكن السيطرة عليها.
في عام ١٨٦٩ قام باول لانجرهانز الطبيب وعالم التشريح الألماني ، وأثناء تحضيره لرسالة الدكتوراه في برلين، قام بفحص أنسجة البنكرياس تحت المجهر باستخدام تقنيات صبغ جديدة، واكتشف مجموعات خلايا صغيرة مبعثرة داخل النسيج البنكرياسي أُطلق عليها لاحقاً اسم "جزر لانجرهانز".
ورغم اكتشافه لها، فإنه لم يتعرّف على وظيفتها الحيوية. (توفي لانجرهانز لاحقاً في جزيرة ماديرا البرتغالية عام ١٨٨٨ عن عمر يناهز ٤٠ عاماً إثر صراع مع مرض السل الرئوي المزمن).
وفي عام ١٨٨٩ ، قام أوسكار مينكوفسكي ، وجوزيف فون ميرينغ ، وهما طبيبان وعالمان ألمانيان في علم وظائف الأعضاء ، قاما بإجراء تجربة شهيرة بإزالة البنكرياس بالكامل من كلب، فظهرت على الحيوان فوراً أعراض مرض السكري الشديد والقاتل، ليثبتا بذلك أن البنكرياس يلعب الدور الأساسي في تنظيم سكر الدم.
وفي عام ١٩١٠ قام السير إدوارد ألبرت شاربي-شافر العالم البريطاني ، والذي يعتبر مؤسس علم الغدد الصماء ، قام باقتراحٍ مفادُه أنّ هناك مادة كيميائية مفترضة يفرزها البنكرياس وتنظم استقلاب السكر ، وأطلق عليها لأول مرة اسم "الإنسولين" (مشتقة من اللاتينية " إنسيولا" وتعني الجزيرة، نسبة إلى جزر لانجرهانز) ، وذلك قبل أن يتم استخلاصها فعلياً.
وفي عام ١٩٢٠ قام الدكتور موسيس بارون وهو طبيب أمريكي من أصول روسيّة ، ومتخصص في علم الأمراض ، قام بنشرِ مقالة علمية تحلل العلاقة بين جزر لانجرهانز ومرض السكري.
وملخّص الدراسة أنه في حال انسداد قناة البنكرياس تقوم خلايا الأنسجة المفرِزة لعصارة البنكرياس بالتّلف وتُهضم ذاتياً ، بينما تبقى خلايا جزر لانجرهانز سليمة ولا يحدث السكري .
وفي نفس العام ، أشرقت في ذهنِ جرّاح العظام الكندي فريدريك بانتنغ ، وبعد قراءة مقالة موسيس بارون صدفةً ، أشرقت فكرة ربط قنوات البنكرياس لإتلاف الخلايا الهاضمة مع إبقاء جزر لانجرهانز سليمة واستخلاص المادة منها.
ولذلك تواصل بانتنغ مع أستاذ الفسيولوجيا في جامعة تورنتو جون جيمس ريتشارد ماكليود والخبير العالمي في استقلاب الكربوهيدرات ، حيث اقتنع بحماس بانتنغ ، ومنحه مختبراً وعدداً من الكلاب ، ووفّر له المساعدة اللازمة قبل أن يسافر لقضاء عطلته الصيفية ، وأرشده إلى العمل سوياً مع تشارلز بِست وهو طالب طب كندي ساعد بانتنغ كمسؤول عن الفحوص الكيميائية الحيوية وتحليل نِسب السكر.
وفي سبيل هذا الكشف العلمي العالمي الفريد من نوعه ، أزهق الاثنان أرواح مئات الكلاب ، وبعد تجارب عديدة ومرهِقة ، قاما بربط قنوات البنكرياس في هذه الكلاب والانتظار لمدة أسابيع لاستخلاص المادة التي تساعد في خفض سكّر الدم وأسموها " آيسلتين " وحقنها في الكلاب حتى نجحت التجارب على الكلبة " مارجوري " ، الكلبة رقم ( ٤١٠ ) ، حيث عاشت لمدة ٧٠ يوم بعد حقنها بمستخلص البنكرياس .
كان هناك تحدٍ كبير وهو كيف يتم تنقية هذه المادة وتطوير العمل السريري لحقنها بالأطفال المصابين بالنوع الأول من السكري والذي كانوا يموتون بسبب هذا المرض بعد الضعف والهزال الشديد ، لذلك قاما بالتعاون مع عالم الكيمياء الحيوية الكندي جيمس كوليب ، والذي انضم للفريق واستطاع إزالة الشوائب والسّمية التي واجهت بانتنغ وبست .
كان الطفل ليونارد تومسون والبالغ من العمر ١٤ عاماً ، مصاباً بالسكري من النوع الأول وقد أشرف على الموت في يناير من عام ١٩٢٢ أول مريض يتلقى حقنة الإنسولين في مستشفى تورنتو العام، وكانت النتائج مبهرة ومعجزة في إنقاذ حياته.
سارعت شركات الأدوية الكبرى (مثل إيلا ليلي الأمريكية وبالتعاون لاحقاً مع المؤسسات الدنماركية التي شكلت نواة شركة نوفو نورديسك) للتعاون مع الفريق لتطوير عمليات التصنيع واسع النطاق .
تحول الإنسولين إلى علاج روتيني منقذ لحياة ملايين مرضى السكري من النوع الأول حول العالم.
نال فردريك بانتنغ وجون ماكليود جائزة نوبل في الطب عام ١٩٢٣ تقديراً لهذا الاكتشاف الخالد (وقام بانتنغ بتقسيم جائزته المالية مناصفةً مع تشارلز بِست ، بينما قام ماكليود بمشاركة حصته مع جيمس كوليب) .
انتهت قصّة اكتشاف الإنسولين العظيمة ، والدروس المستفادة منها كثيرة ، وأوّلها أنّ الله تعالى يسخّر العلماء لخدمة البشرية ويهديهم إلى ذلك رحمةً بالناس ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم " ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء ، علِمهُ من علِمه ، وجهِلهُ من جهِله "
وقال " تداووا ، فإنّ الله لم يضع داءً إلا أنزل له دواءً إلا الهرم "
ومن الدروس المستفادة من تلك الملحمة الطبية ، إيثار العلماء وذوي الفضل ، فلم يرضَ بانتنغ بالاستئثار لوحده بجائزة نوبل ، بل شارك زميله بِست فيها ، ونفس العمل قام به ماكليود ، بمشاركة جيمس كوليب " ، وهذا الخلق الانساني الرفيع امتدحه الله تعالى في قوله " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوقَ شُحّ نفسهِ فأولئك هم المفلحون "
و " نكران الذات " هو سلوك إنساني نبيل يتمثل في تغليب مصالح الآخرين واحتياجاتهم على المصالح الشخصية، بل وتجاوز الاعتبارات الأنانية حباً في العطاء، وخدمةً لقيم أسمى كالخير، والإنسانية، والتضحية.
إنه بحقٍ حالة وجدانية وعملية يتجرد فيها الإنسان من حب التملك والاستئثار، ليصبح العطاء لديه غاية لا مجرد وسيلة، دون انتظار لجزاء أو ثناء .
وبالنظر إلى ما يميّز الإنسان عن غيره من الكائنات وأخص بالذكرِ بطلة قصّتنا " الكلبة مارجوري رقم ٤١٠ " حيث يمثّل الزمن بالنسبة لها ، دائرةً مغلقةً لا تعرف التجدد ، وأحفادها من الكلاب يقفون اليوم بذات الولاء والغرائز التي سارت بها أسلافها قبل عشرات آلاف السنين ، ليس لها تاريخ ولا تراكم خبرات ، ولم تترك خلفها سوى خطوات تمحوها الريح .
أما الانسان فهو وحده ابن الأزمان الممتدة، والكائن الفريد الذي ينسج وجوده بخيوط الذاكرة والتاريخ. وحده من يرث تركات الراحلين، ويبني من جماجم اليأس مدائنَ من نور، متخذاً من خبرات من سبقه سلّماً يرتقي به نحو ذرى المعرفة.
ولعلّ قصّة اكتشاف الإنسولين هي الملحمة الأوضح لهذا التراكم الحضاري الخالد ، فلم تبدأ تلك القصة من فراغ، بل وُلدت من رحم المعاناة المتراكمة عبر القرون ، فمِن إشارات الفلاسفة والتشريحيين الأوائل ، إلى تخبّطات باحثين تجرعوا مرارة الفشل ، ومن تتبّعِ أثر البنكرياس في عتمة المختبرات ، إلى تلك اللحظة المجيدة التي التقت فيها عبقرية "بانتنج" و"بِست" بإرث من سبقهم من أجيال العلماء.
كل تجربة فاشلة كانت حجراً، وكل إخفاق كان لبنةً، وكل خيط رفيع من الفهم انسكب في عقول السالفين، تجمّع تدريجياً ليُصنع منه "طوق النجاة" الذي أعاد كتابة حياة الملايين.
تلك هي " الحضارة " التي تمثّل صدى أصواتٍ تتناقلها الأجيال، وتوارثٍ حكيم للخبرات يمحو المسافات بين العصور، ليصبح العالم معقلاً للتراكم الإنساني العظيم، حيث يكمل اللاحق ما بدأه السابق، ويمسك جيلٌ بيد جيلٍ آخر ليعبروا سوياً فوق جسر الزمن من الظلمات إلى النور.
أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
jahra.im.meetings@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق