! المحامي حسن سبانخ وحروب الطماطم


عند الحديث عن الحرب ، يأخذنا مُعجم لسان العرب ، إلى مادة ( حَ رِ بَ ) حيث تدل على سلب المال وانتزاعِهِ ، فيقال: حرِب الرجل (بكسر الراء) أي سُلب ماله وبقي بلا شيء .

ويُقال رجلٌ حَربٌ أي محارب .

فالحرب الحقيقية تسلب الإنسان أمنه، وممتلكاته، وأحياناً حياته، وتسلب المجتمعات استقرارها .

وبعيداً عن الحروب الحقيقية وقانا الله تعالى والقارئ الكريم شرّها ، لنتحدث قليلاً عن حروب من نوعٍ آخر  من باب معرفة ثقافات الشعوب ومعاناتها وهمومها ، فماذا تعرف عن مهرجان حرب "لاتوماتينا " ؟

هو ذلك المهرجان "الدموي" الذي يتطاير فيه رذاذ الطماطم ، وتزهق أرواح أطنان من هذه الثمرة اللذيذة في قرية بويول بمقاطعة فالنسيا الإسبانية الأربعاء الأخير من شهر آب أغسطس من كل عام ، وترتدي النساء اللباس الأبيض بينما الرجال لا يرتدون قمصاناً .

أمّا أسباب هذا المهرجان الطماطمي 😋 ، ففي الأربعاء الأخير من شهر أغسطس من عام 1945 كان هناك موكب شعبي يضم مجسمات عمالقة ورؤوساً ضخمة في قرية بويول آنفة الذّكر ، حاول بعض الشبان الانضمام إلى الموكب، فوقع تدافع وشجار. وكانت بالقرب منهم عربة خضار، فأخذوا الطماطم منها وبدأوا يتقاذفونها، إلى أن تدخلت الشرطة وأنهت المعركة الحمراء.

في العام التالي عاد الشبان، لكنهم جلبوا الطماطم معهم من منازلهم، فتكررت المعركة. ومع مرور السنوات تحولت من مزحة شبابية إلى عادة سنوية يشارك فيها أهل البلدة ،

وقد مُنع المهرجان فترةً في خمسينيات القرن الماضي، لكن السكان احتجوا بطريقة ساخرة، فنظموا ما عُرف بـ " جنازة الطماطم " ، وحملوا نعشًا بداخله ثمرة طماطم كبيرة مع موسيقى جنائزية .

فعاد المهرجان حتى أصبح رمزًا ثقافيًا وسياحيًا في فالنسيا .

وقيل قديماً " ما ضاع حقٌ وراءهُ طماطم 😅" وفي المجمل ، فهذا النوع من الاحتجاجات لا يجلب إلا الشقاء والفوضى .

يأخذنا هذا الإلهام الطماطمائي ، إلى الشمال الإيطالي حيث " حرب " البرتقال " وهو حدث سنوي شهير يُقام في مدينة إيفريا بمقاطعة تورينو شمال إيطاليا، ويتميز بالتراشق الجماعي بالبرتقال واستمرار الفعالية لثلاثة أيام مِن شهر فبراير قبل فترة الصوم الكبير لدى أهل البلدة .

تجسد تلك الحرب" البرتقالية" السنوية الفوضى العارمة في أوروبا إحياءً لذكرى فيوليتا عندما قطعت رأس سيّدها رانييري ، وينقسم المشاركون إلى مجموعات تمثل الصراعات الطبقية بين النبلاء والإقطاعيين وطبقة المعدمين في إيطاليا إبّان القرون الوسطى .

ننتقل من قشور البرتقال إلى خبز التورتيلا اللذيذ فماذا تعرف عن " حرب الدقيق " أو ما يُسمّى " حرب الخبز " ؟

مهرجان حرب الدقيق يحدث سنوياً في بلدة غالاكسيدي اليونانية لإعلان بداية صوم عيد الفصح ، فيتجمع المحتفلون ليرتدوا الأقنعة ويرشقوا بعضهم البعض بأطنان من الدقيق الملوّن في الشوارع ، وهو احتجاج سابق كان يقوم به السكان المحليون ضد الدولة العثمانية ، فما ذنب الخبز إذا كان الخباز بالدفّ ضارباً ؟

ننتقل من حرب الخبز إلى حرب " الموز " ، وكأننا نحضّر " المعصوب " الجنوبي ذا المذاق الفاخر بالقشطة والعسل ، فماذا تعرف عن " جمهوريات الموز " ؟

صاغ الكاتب الأمريكي الشهير وليم سيدني بورتر ، والذي كان يكتب تحت مسمّى " أو هنري " هذا المصطلح لأول مرة عام 1904 في مجموعة قصصه القصيرة المعنونة ب"الملوك والكُرُنب" حيث استخدمه لوصف دولة تخيّلية في أمريكا الوسطى تُدعى "أنشوريا" تسيطر عليها مصالح شركات تجارية أجنبية ، وتكون هذه الدولة معتمدة بشكل كبير على مصدر رئيسي للدخل مثل الموز ، أو الفحم ، أو الغاز فيسهل الانقضاض عليها والسيطرة على مصدر دخلها وبالتالي يكون قرارها السياسي والاقتصادي مرهوناً عند غيرها .

استُوحيَ المصطلح من الواقع الفعلي لبعض دول أمريكا الوسطى والكاريبي (مثل هندوراس وغواتيمالا) في أوائل القرن العشرين حيث قامت شركات أمريكية عملاقة لإنتاج الفواكه (مثل شركة يونايتد فروت بالسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الموز ، في هندوراس و غواتيمالا ، وبالتالي أخضعت هذه الدول تحت نفوذها، وأصبحت هندوراس أول دولة يطلق عليها " جمهورية الموز "

جدير بالذكر ما تم إثارته مؤخّراً من قِبل المحلل السياسي البحريني الأستاذ جعفر سلمان عندما وصف العراق الحالي بنظامه السياسي بجمهورية الموز ،

لذلك ينبغي على الدول السعي دائماً لتنويع مصادر دخلها ولا تضع بيضها في سلّةٍ واحدةٍ فتنقض عليها القرود وتأكل موزها !

نترك الطماطم والبرتقال والخبز والموز جانباً ونُعِد أكلةً لذيذةً على العشاء لتحضير لحم البايسن الكندي المقدّد ، وبعضاً من ستيك الواغيو الياباني المربّى على العز والدلال ، وطبقاً من الواغيو الأسترالي المهجّن المقطّع باحترافية السكوتش فيليه مع ستيك الأنغوس من دواعيس أبردين ، لكن نحتاج بعضاً من الفلفل والقِرفة وجوزة الطيب لنضيف لذعةً في أطراف اللسان ترفع تقييم الباربكيو والشواء إلى عشرة مِن عشرة .

فهل سألت نفسك لماذا حصلت حروب " التوابل " ؟

في القرنين السادس عشر والسابع عشر، دارت حروب طاحنة بين القوى الاستعمارية الأوروبية (البرتغال، هولندا، بريطانيا، وإسبانيا) للسيطرة على جزر التوابل في إندونيسيا والهند.

لم تكن التوابل مجرد نكهات للطعام، بل كانت المادة الأساسية الوحيدة لحفظ اللحوم في أوروبا قبل ظهور الثلاجات، مما جعلها بمثابة "الذهب الأسود" في العصور الوسطى وسببًا لحروب بحرية طاحنة ومدمرة ، فأين كانت حينها العقولٌ التي تزيّنها الحكمة كما تزيّن التوابل لذيذ الطعام ؟!

ننتقل من مذاق التوابل وملوك الفلفل الأحمر في ولاية راجستان الهندية ، إلى " حرب الشمندر " ؟

فما هي "حرب الشمندر" ؟

هي معركة شوربة البورش حيث حصل نزاع ثقافي وسياسي بين روسيا وأوكرانيا حول أحقيّة نِسبة طبق حساء البورش المصنوع من الشمندر .

وانتهت المعركة بقرار منظمة الـيونسكو في يوليو 2022 بإدراج طبق البورش الأوكراني في قائمة التراث الثقافي غير المادي المهدد بالزوال .

رحّبت أوكرانيا واعتبرت القرار نصراً ثقافياً، بينما انتقدته الخارجية الروسية معتبرة إياه محاولة لفصله عن الهوية المشتركة ! هذا وللعلم فإن القرار الذي أخذته اليونسكو كان بعد خمسة أشهر من بداية الحرب الروسية الأكرانية !!!

وقيل قديماً " اللي اتلسع من الشوربة بينفّخ في الزبادي 😋😅 "

على غرار الصراعات البينية بين الدول لا ننسى حرب البقلاوة عام 2006 بين تركيا وأذربيجان من ناحية واليونان وقبرص من ناحية أخرى ، للمطالبة في اليونيسكو عن أحقية انتساب البقلاوة لأي منهما حيث تدعي تركيا أن البقلاوة إرث غذائي من مدينة غازي عنتاب ، بينما تدعي اليونان أنه إرثٌ بيزنطي .

على العموم هل يوجد ما هو ألذ من البقلاوة ؟ لا أظن ذلك .

حرب الأفوكادو !

فما هي "حرب الأفوكادو" ؟

هي صراع دموي وخلافات تجارية دارت رحاها في المكسيك، وتحديداً في ولاية ميتشواكان بين عصابات المخدرات للسيطرة على تجارة ثمرة الأفوكادو المعروفة بـ"الذهب الأخضر" ، فقد تحول الأفوكادو إلى سلعة عالمية باهظة الثمن تدر مليارات الدولارات سنوياً ، ودخلت عصابات الجريمة المنظمة على خط إنتاج وبيع هذه الفاكهة لفرض إتاوات على المزارعين ووضع سقوف مالية قسرية، ودفع الأموال للعصابات، مما أدى إلى استنزاف كبير للمياه وإزالة الغابات لتوسيع رقعة الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الأفوكادو ، أمام عجز حكومي متكرر عن ضبط أمن المناطق المنتجة بشكل كامل وسط سطوة المافيا ، فلا أمن ينفع ولا قضاء يردع ولا " أفوكاتو" يترافع عن من تُسلب أراضيه ويضيع ماله وحلاله .

ملاحظة " فيلم الأفوكاتو لعادل إمام وهو يترافع بأسلوبه الكوميدي الفريد في أروقة المحاكم المصرية ! يستحق المشاهدة ( والأفوكاتو باللهجة الإيطالية هو المحامي ) و​الشيء المشترك بين حرب الأفوكادو والأفوكاتو باختصار هو "لعنة الاستغلال" حيث استغل المحامي حسن سبانخ(عادل إمام) القانون وأفسده لتحقيق مصالحه، وعصابات المكسيك استغلت الأرض وخيراتها وأفسدتها للغرض ذاته، وكلا الصراعين تمحورا حول تحويل ما هو نافع بطبيعته إلى أداة جشع ودمار !
وليت حسن سبانخ ترامى مع محمد الشريف بالسبانخ على غِرار مهرجان الطماطم ولم يوغل في حربٍ بين هوامير ليس له قِبلٌ بمواجهتهم فدارت الدائرة عليه وأصبح حبيس قفص الاتهام ، فمن يمشي في درب الزلق لا يأمن الطيحة .

حرب الفستق ! فما هي حرب الفستق ؟

فرضت الولايات المتحدة حظراً على استيراد الفستق الإيراني عقب أزمة الرهائن وسقوط نظام الشاه بين عام 1979 وعام 1981 ، فاستغلت ولاية كاليفورنيا الأمريكية هذا النقص لزراعة الفستق بكثافة حتى أصبحت اليوم أكبر منتج للفستق في العالم متجاوزة إيران !

إذا كان هذا ما يخص الفستق ، فما بالك بما يخص النفط الإيراني الذي يذهب بغالبهِ إلى المنافس الاقتصادي الصيني ، فهل ما يحصل الآن في الحرب العسكرية الأمريكية الإيرانية لها ما بعدها ؟

ننتظر لنرى فالمستقبل يخبّئ العجائب !!

حرب الماء ! فما هي حرب الماء ؟

عند سفرك إلى مملكة تايلند في أبريل من كل عام لمشاهدة مهرجان سونغكران أو ما يسمى " حرب الماء " بعد موسم حصاد الأرز ، حيث يتراشق المشاركون بالبالونات الممتلئة بالماء ، واستخدام خراطيم الماء الكبيرة ، وهو بالأصل احتفال بوذي ديني للتطهير من الذنوب والحظ السيّء كما يعتقدون ، فاحرص عند زيارتك لتايلند في شهر أبريل أن تلبس ملابس ووتربروف (يا بصمقي 😎 )

بعض الدول تتخذ من الحروب وقوداً لرخائها الاقتصادي لجلب الأموال والسيطرة والتحكّم بطرق التجارة وفرض ثقافتها وطريقتها على الآخرين ولكي تبرّر جشعها وطمعها ، تتّخذ أسباباً وأسماءً واهيةً لحروبها ، فحرب الأفيون بين بريطانيا والصين ، وحرب " الكاجو " المسمّى " الذهب الرمادي" في ساحل العاج ، وحرب " جوز الهند " في بابوا غينيا الجديدة ، وحرب " الأناناس" بين الصين وتايوان ، وحرب " الفلفل " المسمى " الذهب الأسود " في القرون الوسطى .

و " حرب السكّر " حيث تقاتل المستعمرون الأوروبيون مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال على دول الكاريبي والبرازيل للسيطرة على قصب السكّر لأنه كان التجارة الرائجة في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر .

ولا ننسى حروب " التمر " وهي الصراعات القبلية العنيفة التي كانت في جزيرة العرب للسيطرة على القرى والنخيل والتمور التي تعد المصدر الأول للدخل في القرون الأخيرة ، بالإضافة إلى الماشية وطرق الحج ، وقد منّ الله على أهل هذه الجزيرة العربية بالأمن والأمان وقد صدق النبي الأكرم حين قال " ليُتِمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، والذئبَ على غنمه ، ولكنّكم تستعجلون"

بعد جميع ما تقدّم من ذِكر هذه الحروب المرتبطة بأنواع الطعام والفواكه والخضروات والماء والمكسّرات ، منها السياحي والثقافي والفانتازي الهزلي ، ومنها الحروب العسكرية الحقيقية
ف​الطماطم والبرتقال والماء يُغسل بهما صخب الروح على سبيل العبث البريء، بينما الأفوكادو، والفستق، والأفيون، تُخاض عليها حروب الدم والمال لأنها تمس عصب البقاء والسلطة فشتّان بين "حروب الفرح والمرح" التي تُراق فيها الفواكه، و"حروب الجشع والطمع" التي يُباع فيها البشر

وفي النهاية ، مع إني ضد حروب الطماطم والبرتقال وحرب الدقيق وحرب الماء ، لكنها في مجملها تظل في دائرة المقبول سياحياً لذلك أقترح حرب " البرحي " صيفاً "  وحرب " الكنار " ربيعاً لتنشيط السياحة في 🤕الكويت ، وزيادة خبرة أطباء العيون🤕🤕🧐🫪


يُتبع ...بمقال عن فلسفة الحروب بأنواعها

أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
jahra.im.meetings@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظام الطيّبات ما له وما عليه

حِراسة المصداقية الطبية بين إريك روبن وبين ضياء العوضي

هدية المجوس