الطب في حضرة أمامة وأم جُندب
يقول لك الطبيبُ دواك عندي
... إذا ما جَسّ كفكَ والذراعا
ولو عرف الطبيبُ دواءَ داء
... يرُد الموت ما قاسى النزاعا
وسيفي كان في الهيجا طبيباً
... يداوي رأس من يشكو الصداعا
هذا عنترة ببراعةٍ يصوّر عجز الطبيب البشري أمام القدر الحتمي ، ويبرز ذلك في بيته الشهير الذي يقر فيه بقصور الطب عن رد المنية، بل وجعل السيفَ "طبيباً" مجازياً لمداواة الرؤوس .
كفانا الله شر سيفك يا عنترة !! 🤕
ومن الجدير بالذكرِ أنّ نظرة العربي في الجاهلية للداء والدواء امتزجت بين الواقع البدائي والممارسات السحرية كالعزائم والرّقىٰ والكيّ ، قبل أن تبرز التجربة الواقعية. وكان حضور "الطبيب" و"الداء" مرتبطاً غالباً بالفناء وحتمية الموت .
وهذا علقمة الفحل يقول:
طحا بك قلبٌ في الحسانِ طروبُ
... بُعيدَ الشبابِ عصرَ حان مغيبُ
تكلّفني ليلى وقد شطّ وليُها
... وعادت عَوادٍ بيننا وخطوبُ
مُنعّمةٌ لا يستطاعُ كلامُها
... على بابها مِن أن تُزارَ رقيبُ
إذا غاب عنها البعلُ لم تُفشِ سِرّهُ
... وتُرضي إياب البعلِ حين يؤوبُ
وما أجمل وأرق من تلك المرأة العفيفة التي تحفظ شرفها وتصون بيتها في حضور زوجها وغيابهِ .
فقد كان علقمة طروباً مغرماً بالنساء خبيراً بما تخفي نفوسهن ، طبيباً بأدواءِ النساء وعِللِهنّ ، فيقول وقد لبس المِعطف الأبيض ، ووضع السمّاعة في أذنيه مستمعاً لقلوب النساء !
فإن تسألوني بالنساءِ فإنني
... بصيرٌ بأدواء النساءِ طبيبُ
إذا شاب رأسُ المرءِ أو قلّ مالُهُ
... فليس له من وُدّهِنّ نصيبُ
يُرِدنَ ثراءَ المال حيثُ وجدنَهُ
... وشرخُ الشبابِ عندهنّ عجيبُ
ليست كل النساء يا علقمة كذلك ، وإلا سأضطر أن أسحب شهادة البورد منك ، لعلّنا نسلَم 😂 .
ومن الطريف تسميته بالفحلِ بعد المساجلة التي حدثت بينه وبين امرئِ القيس وكانت أم جندب زوجة امرئ القيس هي الحكمُ بينهما ،
فقال امرئ القيس :
خليليّ مُرّا بي على أم جُندبِ .. نُقِضُّ لُباناتِ الفؤادِ المعذّبِ
ألم ترياني كلّما جئت طارقاً .. وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطيّبِ
حتى وصل في قولِهِ عندما وصفَ فرسه :
وللسّوطِ أُلهوبٌ وللساق دَرّةٌ .. وللزجرِ وقعُ أهوجَ مُهذَبِ
الدرّة دُرّةُ عمر أمّا درّتك فهي للفرس يا امرئ القيس !!
وأتمّها امرؤ القيس ، فقالت أم جُندب ، وأنت يا علقمة ، فقال :
ذهبتَ مِن الهجرانِ في غير مذهبِ
... ولم يكُ حقاً كلّ هذا التجنّبِ
حتى وصل في قولِهِ :
فأدرَكهُنّ ثانياً عن عِنانِهِ .. يمرّ كمرّ الرائِحِ المتحلّبِ
فحكمت أم جُندب لعلقمةَ على امرئِ القيس وبرّرت ذلك أن امرء القيس امتطى فرسه ضارباً وزاجراً لها بينما علقمة ترك لها العنان ولم يزجرها ولا نهرها .
فطلّقها امرئ القيس ، وتزوجها علقمة وكان ذلك سبباً لتسميته .
ومما يعجبني في علقمةَ ، قول قريشٍ عنه " هذا سِمطُ الدهر " عندما ألقى قصيدته المشهورة في سوق عكاظ
هل ما علمتَ وما استودعتَ مكتومُ
... أم حبلُها إذ نأتكَ اليومَ مصرومُ
أم هل كبيرٌ بكى لم يقضِ عبرتهُ
... إِثرَ الأحبّةِ يوم البينِ مشكومُ
إلى أن قال :
وكُلّ قومٍ وإن عزّوا وإن كثروا
... عريفُهم بأثافي الشرّ مرجومُ
والجودُ نافيةٌ للمالِ مُهلِكةٌ
... والبخلُ مُبقٍ لأهليهِ ومذمومُ
والمالُ صوفُ قرارٍ يلعبون بهِ
... على نِقادتِهِ وافٍ ومجلومُ
والحمدُ لا يُشترى إلا له ثمنٌ
... ممّا تضِنّ به النفوسُ معلومُ
والجهلُ ذو عرَضٍ لا يُسترادُ له
... والحِلمُ آونةً في الناسِ معدومُ
وهنا لي وقفة مع هذا البيت :
"والجهل ذو عرض لا يُستراد له": يصور الجهل كأنه داءٌ عارض أو مرضٌ طارئ لا يمكن جلبه أو طلبه (إذ لا حاجة لأحدٍ به)، ومع ذلك فهو مستشرٍ.
"والحلم آونة في الناس معدوم": يعبر عن قلة العقلاء وأصحاب الحلُم في أوقات الشدائد، حيث يندر وجودهم حين يُحتاج إليهم .
ومُطعِمُ الغُنمِ يوم الغُنمِ مُطعَمهُ
... أنّى توجّهَ والمحرومُ محرومُ
ومن تعرّضَ للغُربانِ يزجُرُها
... على سلامتهِ لابدّ مشؤومُ
وكُلّ بيتٍ وإن طالت إقامتهُ
... على دعائمهِ لابدّ مهدومُ
حتى وصل في قصيدته واصفاً كأسهُ كأنه يقصدني 🧐😄
كأسُ عزيزٍ من الأعنابِ عتّقها
... لبعضِ أربابِها حانيّةٌ حومُ
تشفي الصداعَ ولا يؤذيكَ صالبُها
... ولا يخالطها في الرأسِ تدويمُ
ولا يشفي الصداع يا صديقي علقمة ، غير البنادول وإن شِئت قل الباراسيتامول وأدوية الشقيقة وأُخيّاتها 🤕 .
وإذا وافقتَ علقمة الفحل في خبراته ومعرفته بالنساء ، فانظر من زاويةٍ أخرى لإحدى الخبيرات العربيات الأصيلات في الرجال وما يرغبون به وما يحذرون منه .
فقد أوصت أمامة بنت الحارث ابنتها " أم إياس بنت عوف" حين زفّتها إلى زوجها "الحارث بن عمرو الكندي" ملك كندة فقالت:
أي بُنيّة، إن الوصية لو كانت تُترك لفضلِ أدبٍ أو مكرمةِ حسبٍ لزَويتُ ذلك عنكِ ولأبعدتها منكِ ، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومنبهة للعاقل
أي بنية لو أن امرأة استغنت عن زوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها، لكنتِ أغنى الناس عن ذلك، ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال.
أي بُنية إنك قد فارقت الحِمى الذي منه خرجتِ وخلّفتِ العش الذي فيه درجتِ إلى بيت لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، أصبح بمُلكه عليك مليكاً ، فكوني له أمَةً يكن لك عبداً وشيكاً ، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً.
الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وفي حسن المعاشرة رضا الرب.
والتعهد لموضع عينيه والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، واعلمي أن الكحل أحسن الحسن الموجود، وأن الماء أطيب الطيب المعهود .
والتعاهد لوقت طعامه والتفقد لحين منامه فإن حرارة الجوع مُلهبة ، وتنغيص النوم مُغضبة .
والاحتفاظ ببيته وماله والرعاية لحشمه وعياله، فإن حفظ المال من حسن التقدير، ورعاية العيال من حسن التدبير.
ولا تفشي له سراً ولا تعصي له أمراً، فإنك إن أفشيت سره لن تأمني غدره، وإن عصيتِ أمره أوغرت صدره واتقي مع ذلك كله الفرح بين يديهِ إذا كان ترِحاً ، والاكتئاب إذا كان فرحاً، فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير .
وأشد ما تكونين له إعظاماً أشد ما يكون لك إكراماً، وأكثر ما تكونين له موافقةً أحسن ما يكون لك مرافقةً ، واعلمي أنك لا تقدرين على ذلك حتى توثري رضاه على رضاكِ وتقدمي هواه على هواكِ ، فيما أحببت أو كرهت، والله يضع لك الخير واستودعك الله "
فجديرٌ ببناتنا وشبابنا أن يحفظوا هذه الكلمات ويعملوا بها فهي بمثابةِ دورةٍ كاملة الأركان مستوفيةً جميع المعايير لبناء عش الزوجية على أتم حال وأعذب مآل .
وفي هذه الوصية دواءٌ شافٍ لكثير من الأمراض الاجتماعية التي ابتلينا بها في هذا الزمان ولا يسعني إلا إعطاء شهادة البورد في " الطب الاجتماعي " والاستشارات الأسرية لتلك المرأة العظيمة .
وهذا النابغة الذبياني في قصيدتِه " المتجرّدة " يصِف نظرة محبوبتِه إليه وهي في قومها :
نظرت إليكَ بحاجةٍ لم تقضِها ... نظرَ السقيمِ إلى وُجوهِ العُوّدِ
فالمريض الذي يتألّم من مرضه ينظر إلى من يزوره نظر استجداءٍ وضعف ، وينظر إليه من يعودُه نظرة إشفاقٍ ورحمه .
قال النابغة الذبياني :
أَمِن آلِ مَيَّةَ رائِحٌ أَو مُغتَدِ
... عَجلانَ ذا زادٍ وَغَيرَ مُزَوَّدِ
زَعَمَ البَوارِحُ أَنَّ رِحلَتَنا غَداً
...وَبِذاكَ خَبَّرَنا الغُدافُ الأَسوَدُ أي " الغراب الأسود "
لا مَرحَباً بِغَدٍ وَلا أَهلاً بِهِ
... إِن كانَ تَفريقُ الأَحِبَّةِ في غَدِ
حانَ الرَحيلُ وَلَم تُوَدِّع مَهدَداً " المهدد " هو مكان لقائهم "
... وَالصُبحُ وَالإِمساءُ مِنها مَوعِدي
في إِثرِ غانِيَةٍ رَمَتكَ بِسَهمِها
... فَأَصابَ قَلبَكَ غَيرَ أَن لَم تَقصُدِ
غَنيَت بِذَلِكَ إِذ هُمُ لَكَ جيرَةٌ
... مِنها بِعَطفِ رِسالَةٍ وَتَوَدُّدِ
وَلَقَد أَصابَت قَلبَهُ مِن حُبِّها
... عَن ظَهرِ مِرنانٍ بِسَهمٍ مُصرَدِ " المرنان " جبلٌ عالٍ يترامون من فوقه .
نَظَرَت بِمُقلَةِ شادِنٍ مُتَرَبِّبٍ
... أَحوى أَحَمِّ المُقلَتَينِ مُقَلَّدِ
وهنا لابد أن أقف متعجباً من وصفه وقدرته على جمع المعاني الكثيرة في كلماتٍ قليلة ، فأعظِم بلغة العرب وجمالها !
" يقول إن محبوبته نظرت إليه بعينين تشبهان عيني غزال صغير (شادِن) رُبّي في النعمة والرخاء (متربّب)، وتتسم نظراته بالحذر الممزوج بالرقة والوداعة ، فيجمع بين صفات النقاء والجاذبية في عينيها ، فهما سوداوان حالكتا السواد (أحم المقلتين)، تميلان إلى الحَوَر والجمال الصافي (أحوى)، ويزداد حسنها تميزاً عندما تتزين وتلبس العقد في عنقها المحيط بذلك الجديل الرقيق (مقلد) !!
وَالنَظمُ في سِلكٍ يُزَيَّنُ نَحرَها
ذَهَبٌ تَوَقَّدُ كَالشِهابِ الموقَدِ
قامَت تَراءى بَينَ سَجفَي كِلَّةٍ
... كَالشَمسِ يَومَ طُلوعِها بِالأَسعُدِ
و" السجف" هو الحجاب أو الستار
و" الكلّة" هي غطاء رقيق من الثياب يستخدم لستر العروس
وهنا كذلك لا أستطيع تجاوز هذا البيت الذي يحمل من عميق المعنى وجمالهِ .
يقول إن محبوبته قامت وظهرت بجمالها الآسر من بين ستائر خدرِها أو هودجِها ، وكأن الانفراج بين السّتارتين بمنزلة الأفق الذي تنشق عنه أنوار الصباح.
ويشبّهُ إشراقة وجهها وسطوع حسنها بطلوع الشمس في يوم تكتنفه السعادة والبركة (بالأسعد) ، فوجهها يملأ المكان ضياءً وبهجة، تماماً كما تشرق الشمس صافيةً ومبشرة بالخير واليُمنِ، مما يخطف الأبصار ويسلب العقول !
أَو دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها
... بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ وَيَسجُدِ
أَو دُميَةٍ مِن مَرمَرٍ مَرفوعَةٍ
... بُنِيَت بِآجُرٍّ تُشادُ وَقَرمَدِ
سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد
... إسقاطهُ فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ
وهنا أتعجّب من وصفِهِ لحياءِ محبوبتهِ !
فيقول إن خِمارها (النصيف) سقط عن وجهها ورأسها فجأة ودون قصد منها (ولم ترد إسقاطه)، فانكشف لنا جمالها الباهر الذي لم تكن ترتئي إظهاره هكذا سرعةً ، وما إن انتبهت لسقوط خمارها حتى سارعت بيده لتناوله وردّه (فتناولته)، وجعلته وقاية تستتر به عن أعيننا (واتقتنا) خجلاً وحياءً !
فأين أنت أيها النابغة من نساءِ زماننا ، مع العلم أنك وقومك كنتم في جاهليةٍ ونحن في إسلام !!
بِمُخَضَّبٍ رَخِصٍ كَأَنَّ بَنانَهُ
... عَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَطافَةِ يُعقَدِ
يقول إنها تناولت خمارها بيد مُخضّبةٍ بالحناء ناعمة ولينة (بمخضبٍ رخِصٍ)، وشبّه أطراف أصابعها (بنانه) في حُمرتها ورقّتها بأغصان شجر العنم الأحمر وهو شجرٌ حجازيّ معروف للدلالة على الحسن والنعومة .
" نَظَرَت إِلَيكَ بِحاجَةٍ لَم تَقضِها
... نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ " وهنا بيت القصيد
أَخَذَ العَذارى عِقدَها فَنَظَمنَهُ
... مِن لُؤلُؤٍ مُتَتابِعٍ مُتَسَرِّدِ
لَو أَنَّها عَرَضَت لِأَشمَطَ راهِبٍ
... عَبَدَ الإِلَهِ صَرورَةٍ مُتَعَبِّدِ
لَرَنا لِبَهجَتِها وَحُسنِ حَديثِها
... وَلَخالَهُ رُشداً وَإِن لَم يَرشُدِ
و"الصّرَورة "هو الرجل الذي لا يتزوّج النساء أبداً !
وأما في زماننا أيها الذبياني ، فقد كثر " الصرورةُ " من الشباب " والصرورةُ مِن " الفتيات " للأسف الكبير وكأنّ دعاة تحرير المرأة من قيود الزواج نجحوا في إبعاد حتى الرجال عنه بدافِعِ الاكتفاء والاستقلالية وعدم الحاجة للطرف الآخر ، والخاسر الأكبر هم أنفسهم ، بل والمجتمع !! ولله المشتكى
ومما تقدّم فلا عجبَ إذا سمعتهم يقولون :
أشعر الشعراء امرئ القيس إذا ركِب ، والنابغة إذا رهِب ، وزُهيرٌ إذا رغِب ، والأعشى إذا طرِب .
أبو معاذ
د.عزيز الظفيري
jahra.im.meetings@gmail.com
بارك الله فيك و نفع الله الشباب و البنات بهذي المقاله الطيبه
ردحذف