البروفيسور مايكل دبغي أسطورة جراحات القلب


وصلني مؤخّراً رسالة على منصّة " سهل " من مكتب " الموهوبين " رسالة مفادها الدعوة لتسجيل أبنائنا في اختبارات الموهوبين لاكتشاف المهارات الطلابية في سن مبكّرة ، وشعرت بالسعادة ، وأهنّى وزارة التربية على هذا المسعى .

أخذني هذا الأمر بالذاكرة إلى قصّة أحد عظماء الطب في العصر الحديث ، فمِن قرية مرجعيون الوادعة في لبنان، غادرت عائلة المهاجرين شاكر موريس دبغي وزوجته رهيجه دبغي، هاربين من قسوة الحياة ، مستقرين في مقاطعة "ليك تشارلز" بولاية لويزيانا الأمريكية.

لم تكن تلك الهجرة مجرد رحلة نجاة عادية، بل كانت المخاض الخفي لولادة أحد أعظم أساطير الطب الحديث، الدكتور ميخائيل دبغي ( مايكل ديبيكي)  ، الذي وُلد في السابع من سبتمبر عام 1908 ليكون امتدادًا لعبقرية عربية غرست أصولها في الشرق وأزهرت في الغرب.

​لم تقتصر نشأة "ديبيكي" على الكتب الأكاديمية، بل تشكلت بيدين مبدعتين؛ ففي صيدلية أبيه استنشق عبير الشفاء وتعرف عن قُرب على ملامح الطب، وفي حضن أمه صانعة الملابس والحياكة، تعلم دقة الأنامل والصبر، حتى بات يتقن خياطة قميصه بنفسه وهو ابن عشر سنوات.

مصداقاً لذلك يقول أبو العلاء المعرّي :
وينشأ ناشئ الفتيان منا .. على ما كان عوّده أبوهُ
وما دان الفتى بِحِجىً ولكن .. يعلّمهُ التديّن أقربوهُ

وأنا أقول : يعلّمه المهارةَ أقربوهُ
تلك المهارة اليدوية الفريدة، إلى جانب نهم شديد للمعرفة دفعه لالتهام الموسوعة البريطانية من الفهرس إلى الفهرس، شكلت البذرة الأولى لجرّاح القلب المستقبلي.

التحق بكلية الطب في جامعة تولين، وهناك، وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، ابتكر مضخة تمعجّية بسيطة أصبحت لاحقاً حجر الزاوية لمضخّة القلب الرئوية معلنةً بزوغ فجر جراحة القلب المفتوح !
" وإذا كانت النفوسُ كباراً .. تعِبت في مرادِها الأجسامُ "
​
​لم يتوقف طموح النابغة اللبناني الأصل عند حدود المعمل ، فقد صقل مهاراته بزمالات جراحية عليا في جامعات فرنسا في ستراسبورغ وألمانيا، ليضع مع معلمه "ألتون أوشسنر" الفرضية الرائدة التي تربط بوضوح بين التدخين وسرطان الرئة.

قال أبو القاسم الشابي :
إذا ما طمحتُ إلى غايةٍ .. ركِبتُ المُنى ونسيتُ الحذر
ومن يتهيّب صعود الجبال .. يعِش أبدَ الدهرِ بين الحُفر "

وحين اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية، ارتدى البدلة العسكرية كعقيد في الجيش الأمريكي، مبتكراً وحدات المستشفيات الجراحية الميدانية القريبة من خطوط الجبهة، مما ضاعف فرص نجاة الآلاف من الجنود الجرحى ونقل التجربة الطبية إلى آفاق غير مسبوقة.

​بانتقاله إلى كلية بايلور للطب، توج ديبيكي مسيرته بإنجازات خلخلت قواعد الجراحة التقليدية وأعادت كتابتها !

​ فماذا تعرف عن ثورة الشرايين الصناعية ؟

حين نفد النايلون من مخزن القسم، استبدل به مادة "الداكرون" المتاحة، واستخدم آلة الخياطة الخاصة بزوجته ليصنع أول شريان صناعي بديل في التاريخ !

إذا لم تستطِع شيئاً فدعهُ ... وجاوزهُ إلى ما تستطيع

​ولذلك أصبح رائد الابتكارات القلبية حيث أجرى أول عملية استئصال باطنة الشريان السباتي بنجاح، وكان سباقاً في جراحات فتح مجرى الشريان التاجي، وتطوير أجهزة المساعدة البطينية والقلوب الصناعية.

من أشهر التصانيف العالمية لتسلّخ شريان الأبهر تصنيفان
الأول تصنيف ديبيكي الذي قسّم المرض لثلاثة أجزاء
والتصنيف الآخر تصنيف ستانفورد الذي قسّم تمزّق شريان الأبهر لقسمين ، فرجلٌ عريق  ... مقابل جامعة عريقة
وهكذا ، فالعلم يرفع بيوتاً لا عماد لها ... والجهلُ يهدم بيوت العز والكرمِ .

​تحدي الدكتور مايكل ديبيكي الموت في سن الـ 97 حين أصيب بتسلخ الشريان الأبهر
(Aortic dissection)
المرض الذي طالما عالج المئات منه حيث أجبره زملاؤه على الخضوع لعملية جراحية دقيقة كان هو رائدها، فتعافى ( وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخلِفه وهو خير الرازقين ) ، فقد أنفق سنين طويلة من عمره معالجاً للمرضى الذين يتمزّق عندهم شريان الأبهر الأكبر في الجسم ، فلمّا احتاج العملية بسبب تمزّق شريان الأبهر لديه انبرى له زمالؤه عن عمرٍ ناهز السابعة وتسعين عاماً ، فنجى من الموت بأعجوبة ، ليعود إلى منصبه شاهداً على الحياة حتى وفاته الطبيعية في الحادي عشر من يوليو عام 2008 عن عمرٍ ناهز 99 عاماً.

​امتدت مسيرة ديبيكي الجراحية لأكثر من خمسة وسبعين عاماً أجرى خلالها نحو خمسين ألف عملية جراحية، شملت ملوكاً ورؤساء وزعماء عالميين طالما استشاروه، ليكون المستشار الطبي الأول لعدد من رؤساء الولايات المتحدة لعقود طويلة.

•  وبسبب حزمه المطلق وعشقه للكمال الذي لم يكن يطيق دونه شكلاً، نال أرفع الأوسمة الأمريكية والدولية، بدءاً من الميدالية الرئاسية للحرية، مروراً بالميدالية الوطنية للعلوم، وصولاً إلى الميدالية الذهبية للكونغرس، وكذلك حاز على لقب " الأسطورة الحيّة من مكتبة الكونغرس الأمريكي .

​هكذا تجسد سيرة مايكل ديبيكي المعنى الحقيقي لعبقرية المهاجرين.فحين تلتقي صلابة الجذور اللبنانية مع رحابة الفرص، ينبثق طوفان من الإبداع الذي لا يغير وجه الثقافة الغربية فحسب، بل يخط بأحرف من نور تاريخ الطب الإنساني بأسره وكيف أن بذور العقول إذا لاقت أرضاً وبيئةً خِصبة تقدّر النوابغ وذوي المهارات فإنها تصنع الخير والرخاء للبشر .

عوداً على بدءٍ ، أدعوا الآباء والأمهات إلى تحسّس المهارات في أبنائهم وتطويرها ورعايتها وليكونوا يداً بيدٍ مع مبادرة وزارة التربية للموهوبين ، ومع البرامج التي تقدّمها الكويت في " معهد الكويت للأبحاث العلمية " ففي ذلك الخير العظيم الذي من خلاله نرد الجميل لهذا الوطن المعطاء .


أبو معاذ
د.عزيز الظفيري

jahra.im.meetings@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نظام الطيّبات ما له وما عليه

حِراسة المصداقية الطبية بين إريك روبن وبين ضياء العوضي

هدية المجوس